إخوان الصفاء
173
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
القوة الملكيّة في القوة الناطقة . فإذا انتظم أمر المدينة على هذه الشرائط فهي السيرة الكريمة الحسنة التي يتعامل بها أهل المدينة فيما بينهم . فصل واعلم أيها الأخ علما يقينا أن هذه المدينة مفروغ من بنائها على هذا الوصف ، ولكن لا يمكن أحدا أن يدخل مدينتنا هذه متى لم يكن علمه مساويا لعلمنا ، لأن حولها أربعة أسوار مبنيّة من جهالات الناس ، ما بين كل سورين خندق من سوء أعمالهم وفساد آرائهم ورداءة أخلاقهم ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم ، فمن عزم على دخولها فعليه بعلم النفس ومعرفة جوهرها فإنه أولى بأن يستفتح من مدينتنا . وقد بيّنا كل ما يحتاج إخواننا ، أيدهم اللّه ، إليه من هذا العلم في إحدى وخمسين رسالة فانظر فيها أيها الأخ إن لم يكن يستوي لك الحضور في مجلسنا ، واعرضها على إخوانك الذين ترتضيهم وتأنس منهم الرّشد والسّداد ، فلعلكم توفّقون لفهم معاني ما ذكرنا فيها من معاني فنون العلم وغرائب الحكم ، وترشدون إلى العمل بما يقرّبكم إلى اللّه زلفى وينجيكم من نار جهنم : عالم الكون والفساد ، وتهتدون للصعود إلى ملكوت السماء : عالم الأفلاك ، والدخول في زمرة الملائكة الذين يحملون العرش ويسبّحون بحمد ربهم ، ويؤمنون به ، ويستغفرون للذين آمنوا ، الآيات إلى قوله : « وذلك الفوز العظيم » . واعلم أيها الأخ البار الرّحيم أن قوة نفوس إخواننا في هذا الأمر الذي نشير إليه ونحث عليه على أربع مراتب : أولها صفاء جواهر نفوسهم وجودة القبول وسرعة التصور وهي مرتبة أرباب ذوي الصنائع في مدينتنا التي ذكرناها